السيد محمد حسين فضل الله

72

من وحي القرآن

يمكنكم أن تتجاوزوا هذا العمل الذي ألزمتم أنفسكم به بالدخول إلى البيوت من ظهورها في حال الإحرام ، لأنه ليس أمرا مفروضا عليكم من اللّه ، فيمكنكم أن تأتوا البيوت من أبوابها من دون أي خوف أو حرج إذا التزمتم بالتقوى في ما حرمه اللّه عليكم أو في ما أوجبه اللّه عليكم ، ولكن التأمل في الآية يجعلنا نتجاوز ما ورد في هذه الروايات التي لم تثبت عندنا . إن الظاهر في قضية قوله : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها أنها ليست واردة في مقام الرخصة بذلك ، بل هي واردة في مقام تحديد الخط العام الذي يسير عليه الإنسان في حياته في كل ما يفيض فيه من حديث ، أو يسأل عنه من أمر ، أو ينطلق فيه من عمل ، أو يتحرك نحوه من هدف . . . وبذلك يكون مفاد الآية التأكيد على أن يتحرك الموقف العملي للإنسان من الوجه الذي يجب أن ينطلق منه ، فإن اللّه قد جعل لكل شيء في الحياة بابا يدخل منه ، فلكل غاية وسيلة معينة تنسجم مع طبيعتها وواقعها ، ولكل فكرة أجواؤها التي تتحرك فيها ، ولكل حركة قيادتها التي تتحرك من خلالها . . . وبذلك تلتقي فكرة إتيان البيوت من أبوابها مع خط التقوى ، كما أن إتيانها من ظهورها كناية عن الانطلاق من غير مواردها الشرعية بعيدا عن خط التقوى ، ويكون البرّ وعدمه تابعا لذلك . ويؤيد هذا المعنى ما روي عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر عليه السّلام - في كتاب المحاسن للبرقي - في قوله تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها قال : يعني أن يأتي الأمر من وجهه ، أيّ الأمور كان « 1 » ويمكن أن يكون ذلك على سبيل الاستيحاء أو التطبيق لا على سبيل التفسير . ولعل هذا هو الأقرب إلى الأجواء القرآنية العامة . وهو الذي يجب أن نستوحيه في حياتنا العملية عندما نريد أن ننطلق في أي مجال للدعوة ، فنتحرك معه بالأسلوب الذي يمكن أن يؤدي إلى الغاية ، ويوصل إلى المطلوب من خلال دراسة الواقع

--> ( 1 ) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 59 .